مضى عامان وسبعة أشهر منذ أن أنجبت ولدي الثاني وأصبحت أم البنين، منذ أ|ن أحضرت لابني البكر شريكا في كل شئ.
أتذكر الآن كل المشاعر التي انتابتني طوال العامين والنصف الماضيين، أتذكر كم مرة بكيت وكم مرة لمت نفسي على التقصير، بل على التسرع باتخاذ قرار إنجاب طفل ثانٍ بينما كان عمر الأول عام واحد فقط.
أتم ابني الأكبر عامين يوم سبوع أخيه، فكبر فجأة، وبدلًا من أن يكون حفل العامين هو احتفال بفطامه أو خلعه للحفاض أصبح احتفاًا بمسئوليته عن أخٍ صغيرلا يكف عن البكاء، وأصبح على الصغير الأول أن يفسح المكان لصغيرٍ ثانٍ، أن يتخلى عن حضن أمه ليلاً للرضيع، ويفسح في فراشه مكانًا للرضيع، ويترك الألعاب اللينة للصغير، وأن يحاول ألا يصدر أصواتًا عالية أثناء مرحه لكي لا يوقظه، وأن يتحلى بالصبر فتنتظر طلباته ورغباته وربما احتياجاته ريثما يرضع الصغير أو يغير حفاضه.
لكم آلمني كل ذلك، وكم من مرةٍ لمت نفسي على ما فعلت، وشعرت بالذنب والأسف، وآلمني ضميري وعذبني لأني انتزعت رشيد من حضني قسرًا، وزادني ألما على ألم رؤيتي للصغير الجديد يكبر باحتياجات مختلفة وطبيعة مختلفة ومرض مناعي يستلزم رعاية زائدة، والكبير يكبر ويصل لسن الحضانة، عليّ أن أعلمه كل شئ، أن أملأ وقته بأنشطة مفيدة وقلبه بحب أخيه، وأمارس دوري نهارًا كأم ترعى بيتها وأولادها وأمارس ليلاً نشاطي المعتاد، لوم نفسي على أن الكبير لا يأخذ كفايته من الحب والاحتواء، والصغير مهاراته لم تتطور مثلما كان أخوه وهو في مثل عمره.
ثم كبر الاثنان، أتم الصغير عامين ونصف العام، وأتم الكبير أربعة أعوام ونصف، ثم ها نحن أولاء وكل شئ على ما يرام، وإذا بي أكتشف أنني لم أظلم أحدهما، بل على العكس، عندما أقيّم التجربة بعدل الآن كانا عامين جميلين حافلين باللعب والمرح، وأيضًا بالبكاء والقلق.
لقد كبر الاثنان ومازالا يكبران ولم ينتقص تطور أحدهما من تطور الآخر، بل العكس، ربما أرى رشيد قد حُرم من بعض الحنان الذي كان ليلاقيه لولا وجود أخ صغير له، لكن في المقابل حصل مبكرًا على صديق مقرب وشريك للعب وأخٍ صغير وكل شئ، حتى أنه أصبح لا يستطيع التحرك لأي مكان من دون أخيه.
وكذلك رؤوف الصغير، ربما لم تسنح له الظروف -خاصة مع طبيعته- أن يحظى بخطة تعليم مبكر كالتي حظى بها أخوه، لكن في المقابل توافرت أمامه فرص وخبرات لم تتوفر لأخيه في مثل عمره، فمثلًا بعمر التسعة أشهر وعندما بدأ المشي كان أمامه كرسي صغير يسحبه وراءه ويقف عليه ويستكشف كل شئ ويتسلق أي شئ، تعلم من أخيه عن كل شئ، الحيوانات، الفواكه، المهن ، المواصلات، الأحرف، الأرقام.... كل كل شئ، كانت له مجموعة أصدقاء في سن مبكرة هي في الأساس لأخيه.
خرجنا كثيرًا كثيرًا، لعبنا ألعابًا جماعية، أسسنا غرفة للتعليم في وقت مبكر، ربما ما كنت لأؤسسها مبكرًا هكذا ما لم أرزق بطفلٍ آخر.
بالنسبة لي أنا، فقد تعلمت الكثير أكثر بكثير مما تعلماه، ربما أهم ما تعلمت خلال هذين العامين أنا أستسلم للقدر، لا يمكن للكون أن يسير وفق رغباتي مهما وضعت الخطط ومهما اجتهدت، قد تحدث أمور لا دخل لنا بها، وأمور ليس بأيدينا أن نغيرها فنلتوي يمينا ويسارا، ونغير من خططنا، ونستبدل بخططنا أحيانًا خططًا أخرى، ونتوقف أحيانًا ونفعل ما كنا نريد في بعض الأحيان.
تعلمت أن الاجتهاد فريضة، لكنه ليس ضمانة، أنا أجتهد، أبذر وأزرع وأروي وأرعى والنتيجة ليست بيدي، قد أحصد وقد لا أحصد، قد أجد حصادي أفضل بكثير من توقعاتي، وقد أجده أقل، لكن في النهاية ليس للإنسان إلا ما سعى.
تعلمت أن عليّ أن أطرق الأبواب، ولكن الرد ليس حتمي، فقد أطرق الكثير من الأبواب بلا جدوى، ثم يفتح لي بابّا لم أطرقه بل لم أكن أعلم بوجوده، وأن سعيه سوف يرى
تعلمت أن الله لن يضيعني، ما دمت ألجأ إليه عندما تضيق السبل وعندما تتسع، ثم يجزاه الجزاء الأوفى



.jpg)




