الخميس، 8 سبتمبر 2022

لماذا لم يخبرنا أحد أن قوس قزح شرير

 بالأمس رأيت مقالًا استفزني، وأيقظ رغبتي في الرد، تلك الخصلة التي كنتُ قد ارتحتُ للتخلص منها أو إخمادها.

كانت كاتبة المقال تتكلم –كالجميع اليوم- عن مدى صعوبة الرضاعة الطبيعية، وبشاعتها، وتشرح بمنتهى الرقة والرقي كيف أن الرضاعة الطبيعية بعيدة عن الرومانسية الزائفة التي يتكلم –أوتتكلم- عنها البعض، وأن الأمهات يتآمرن على الأمهات –لا أدري لأي هدف- وأن العذاب الذي لاقته طوال فترة إرضاعها ابنها يفوق أي تصور، وأنها قررت أن تعلن بالمسكوت عنه لتُفيق الجميع، وأعقبت ذلك بالتساؤل، لماذا لم يخبرنا أحد بأن الأمومة صعبة إلى هذا الحد؟ وأن الحمل والرضاعة وهنٌ على وهن، حتى أنها استشهدت على تقصير المجتمع بموقف صديقة لها فوجئت بعد ولادتها لابنتها بأن الرضيع يحتاج لتغيير ست أو سبع حفاضات باليوم الواحد، وهي التي كانت تتصور أنه يحتاج لتغيير حفاضة واحدة يوميًا.

وأنا لست هنا لكي أحكم على أحد أو ألوم أحد، ولكن –ولأن المقال ملئ بالمغالطات المنطقية- لي الحق أنا أيضًا في أن أتساءل، من الملوم إذا كنتي لم تعلمي ببعض البدهيات قبل أن تتخذي قرار الحمل والولادة؟

أصبح من المعروف لدى الجميع اليوم رجالًا ونساء أن الزمن الطيب قد انتهى، وفي ظل حكم رؤوس الأموال وفي ظل ما نحياه من حداثة لم يعد أحد يكترث إلى أحد، وإذا كان بعض اليافعين اليوم مطالبين بأن يعولوا أنفسهم، فالأحرى أنه على كل بالغ راشد أن يهتم لشئونه ويعوض تقصير المجتمع، فأنا لا أنكر تقصير المجتمع، ولا أن العصر الحالي تحكمه المادة، لكن الجميع اليوم بات يعلم ذلك، ويضعه في حسبانه في كل أمور حياته كبيرها وصغيرها، لماذا نصل إلى هنا ولا نستطيع تصديق ذلك وقبوله.
لقد انتهى عصر الأسرة الممتدة وبيت العائلة، حيث كل النساء أمهات لكل أطفال البيت، حيث الجدة هي الأم الكبرى، وحيث لا تتحمل الأم البيولوجية وحدها عبء تقديم الرعاية والحب والتربية والتعليم وكل كل شئ، حيث كانت القرية كاملة تربي الطفل كما يقول المثل الأفريقي. أليست هذه هي الرومانسية بعينها، والتي لم يعد لها مكان في أيامنا هذه؟
هب أن أحدًا لم يخبرها ماذا ستفعل حين تحمل في طفل، ألن تُعلِّم نفسها؟ ألم تسعى بجد واجتهدت من أجل الحصول على وضع وظيفي مرموق أم أن أحدًا أخبرها ما عليها فعله؟ ألم تُعلِّم هي نفسها بنفسها الطبخ أول ما تزوجت وافتخرت بذلك طوال الوقت؟ ألم يكن من الأحرى أن تبحث وتمعن البحث لكي تتعلم ماذا ستفعل عندما تصير أمًا؟ كيف ستقوم بأعظم مسئولية كلفها الله بها وأوكلها إليها؟ كيف ستقدم أفضل رعاية ممكنة لصغيرها الذي لم يقرر أن يأتي إلى الحياة بل قررت هي وشريكها؟ لماذا عندما تصل الأمور إلى هنا يصير على المجتمع تبنيها وشرح كل شئ لها؟ أم أننا في عصر التيك آواي هذا أصبحنا نريد أيضًا أطفالًا تيك آواي، جاهزين معلبين لا يحتاجون لأمهاتهم في شئ؟ ولماذا لم تسأل نفسها في ظل كل هذا التذمر كيف تحملت أمي آلام حملي وإرضاعي أنا وإخوتي؟

والحل في رأيي كان بسيطًا جدًا منذ البداية، لا تريدي مسئولية إذن لا تجلبيها لنفسك، لأنني أستطيع أن أبشرك وأقول لكِ بملء فمي أن الرضاعة هي أبسط تحدٍ ستواجهينه، وأن طريق الأمومة محفوف بالأعباء والمسئوليات وليس عليكِ سوى تصفح بعض مجموعات الأمهات بالفايسبوك قبل أن تتخذي قرار الحمل.

عجيبٌ أنها تنتقد المواقع التي لم تتحدث سوى عن فوائد الرضاعة للطفل لأنها تجاهلت الأم، وتنتقد المواقع التي أخبرتها عن أفضل نظام غذائي لها أثناء الرضاعة لأنها اهتمت بالأم ولكن كالاهتمام بالأبقار لتدر أفضل حليب، ولم تقل في النهاية ماذا تريد.
 هي تطلب مننا –نحن الرومانسيات أصحاب خبرة الرضاعة الإيجابية- أن نكف عن أن نجعل أنفسنا وتجاربنا مسطرة للعالم، وأنا أقول أن المسطرة هي الفطرة التي فطرنا الله عليها، ولا يعني حبي للرضاعة أنني لم أتألم يومًا وأنا أُرضع أطفالي، بلى تألمتُ وأُدمي ثديي، وترددت على عيادات طب الرضاعة الطبيعية لأنه على الإنسان أن يتحمل مسئولياته بقوة وصبر بدلًا من التذمر، ولأنني أعلم أن هذا أفضل ما أستطيع تقديمه لأبنائي، ولأنني أستطيع، ولأنني أريد وأحب ذلك، أحب أن أرضعهم حليبي وحبي ومعتقداتي وأحلامي، أحب أن أحتضنهم وألصقهم إلى صدري لسنتين فقط، لأنهم بعد ذلك سيكبرون ويفارقون حضني، وعندها سأتمنى أن يعودوا صغارًا وأعيد إرضاعهم، أحب اللحظة الحالية التى نحن فيها معًا، أستمتع بها لكي لا أندم على تفويتها، أحب كل ذلك ولا أخجل من هذه الرومانسية.

أنا هنا لا لأتحدث عن الرضاعة وما لنا وما علينا فيها، ولن أصدع رأسي بتوضيح الواضحات، لكنني ككل نساء عصرنا تكبدت أثمان باهظة لكل ما حصلت عليه، جربت الولادة الطبيعية والقيصرية ولم تكن تجربة الولادة الطبيعية رومانسية لي على الإطلاق، ومع ذلك أجد أن الولادة الطبيعية هي الأفضل، ليس بناءًا على تجربة شخصية، ولكن بناءًا على الفطرة التي فطرنا الله عليها، كوني أوذيت في ولادتي الطبيعية لا يجعلني أروج للقيصرية باعتبارها الأفضل، تبقى خيار لمن لا يجد غيرها. أكرر أنا لا أحكم على أحد، أنا فقط أتعجب من هذا المنطق، كأن ترى الشواذ جنسيًا قد اتخذوا من قوس قزح علمًا لهم فتتساءل لماذا لم يخبروني أن قوس قزح شرير قبل أن أقع في غرامه وأتتبعه؟!!

يا عزيزتي، قوس قزح ليس شريرًا لمجرد أن الأشرار يحبونه، وإن كان كذلك فلن يخبرك أحد، عليكِ معرفة ذلك بنفسك، فالعالم لا يرحم المغفلين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 مضى عامان وسبعة أشهر منذ أن أنجبت ولدي الثاني وأصبحت أم البنين، منذ أ|ن أحضرت لابني البكر شريكا في كل شئ. أتذكر الآن كل المشاعر التي انتابت...